الشيخ محمد رشيد رضا
428
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الملكية للرد على استنكارهم أكل الطعام والمشي في الأسواق ، وتكليفهم إياه نحو الرقي في السماء ، وكون هذا لا يقتضي التفضيل فيما هو محل النزاع . قال الآلوسي : وهذا الجواب أظهر مما نقل عن القاضي زكريا من أن هذا القول منه ( ص ) من باب التواضع وإظهار العبودية نظير قوله ( ص ) « لا تفضلوني على ابن متى » في رأي . بل هو ليس بشيء كما لا يخفى . وقيل إن الأفضلية مبنية على زعم المخاطبين ، وهو من ضيق العطن اه وما نقله الآلوسي عن القاضي زكريا لا بد ان يكون غير ما نقله الرازي عن القاضي ، وإذا أطلق القاضي عند متكلمي الأشاعرة كالرازي ينصرف إلى أبي بكر الباقلاني . والقاضي زكريا عند المتأخرين كالآلوسي هو زكريا الأنصاري . وقد علمت أن القاضي الذي ذكره الرازي جعل إرادة التواضع بنفي الملكية مقتضيا تفضيل الملك على الرسول . وما نقله الآلوسي عن القاضي زكريا ضده وقد ذكروا في هذا المقام الفرق بين الانتقال هنا من نفي دعوى الإلهية إلى نفي دعوى الملكية ، والانتقال في آية سورة النساء من عدم استنكاف المسيح من العبودية للّه إلى نفي استنكاف الملائكة عنها على طريقة الترقي . وقد بين المحققون أن كلا من الانتقالين وقع في موقعه الذي اقتضته البلاغة ، فان مقام الاستنكاف يقتضي ان يكون المتأخر فيه هو الاعلى لئلا يكون ذكره لغوا ، ومقام نفي الادعاء يقتضي العكس لان من لا يتجرأ على دعوى الإلهية قد يتجرأ على ما دونها ولا عكس ، أي ان من لا يتسامى إلى دعوى الملكية لا يتسامى إلى ما فوقها من دعوى الإلهية بالأولى . هذا صفوة ما قالوه في هذه المسألة والحق ان ظواهر القرآن الواردة في الملائكة والرسل تدل على أن الملائكة أفضل من البشر ، ولعله لولا ذلك لما قال تعالى في بني آدم ( وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ) بل لقال على جميع من خلقنا ، ومقتضى ذلك ان خواص الملائكة كالمقربين أفضل من خواص الرسل ، ولا يتحتم ان يقتضي كون عوام الملائكة أفضل من خواص البشر كالرسل ، وقد ينافيه كون بعض الملائكة مسخرين لمصالح البشر ، ولكن ليس في المسألة نص قاطع في المعنى الذي جعلوه محل الخلاف كما قلنا في تفسير آية النساء المشار